الرأي

الإعلام الإقليمي في الجزائر: بين بناء الجاذبية وخطر التشويه.. استراتيجيات مقترحة لتعزيز الصورة الإيجابية

الأستاذ :أحمد لونيسي

تلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في تشكيل الوعي العام ورسم الصور الذهنية للأماكن والأشخاص والقضايا. وفي سياق التنمية الإقليمية، يبرز الإعلام كسلاح ذي حدين؛ فهو قادر على أن يكون أداة فعالة لخلق جاذبية للأقاليم، والترويج لمقوماتها الاقتصادية والسياحية والثقافية، وجذب الاستثمارات والمواهب. ولكنه، في المقابل، قد يتحول إلى معول هدم يشوه صورة الإقليم ويرسخ تصورات سلبية عنه، خاصة مع انتشار ظاهرة دخول غير المتخصصين وغير المؤهلين إلى المجال الإعلامي.

دور الإعلام المحترف في بناء جاذبية الإقليم:

الإعلام المحترف، الملتزم بأخلاقيات المهنة وقواعدها، يمكنه أن يساهم بفعالية في “التسويق الترابي” للإقليم من خلال:

إبراز المقومات الإيجابية: تسليط الضوء بشكل مهني وموضوعي على الفرص الاستثمارية المتاحة، المعالم السياحية الفريدة، التراث الثقافي الغني، البنية التحتية المتطورة (إن وجدت)، والموارد الطبيعية والبشرية التي يزخر بها الإقليم.

نقل قصص النجاح: عرض تجارب ناجحة لمستثمرين محليين أو أجانب، مبادرات تنموية مجتمعية رائدة، قصص ملهمة لأبناء الإقليم، مما يخلق صورة ديناميكية ومحفزة.

تحليل معمق للقضايا: تناول التحديات التي يواجهها الإقليم بموضوعية، مع طرح الحلول الممكنة وإبراز الجهود المبذولة للتغلب عليها، بدلاً من الاكتفاء بالجلد الذاتي أو نشر اليأس.

خلق منصة للحوار: فتح المجال للنقاش البناء بين مختلف الفاعلين (سلطات محلية، مجتمع مدني، قطاع خاص، مواطنين) حول مستقبل الإقليم وسبل تطويره.

بناء “علامة تجارية” للإقليم (Regional Branding): المساهمة في صياغة هوية بصرية ورسالة إعلامية مميزة للإقليم تعكس نقاط قوته وتطلعاته.

خطر الدخلاء وتشويه الصورة الإقليمية:

مقابل هذا الدور الإيجابي المنشود، يشهد الفضاء الإعلامي، لا سيما الرقمي منه (مواقع التواصل الاجتماعي، المدونات، بعض المواقع الإخبارية غير المهنية)، دخول أعداد متزايدة من الأفراد الذين يفتقرون للتكوين الإعلامي الأساسي وللإلمام بأبجديات المهنة، مثل:

غياب الموضوعية والحيادية: الانجراف وراء الآراء الشخصية، أو الأجندات الخاصة، أو المصالح الضيقة، وتقديم المحتوى بشكل منحاز يخدم طرفاً على حساب الحقيقة.

السطحية والإثارة: التركيز على الجوانب السلبية فقط، تضخيم المشاكل، نشر الشائعات والأخبار المغلوطة، والبحث عن “البوز” والانتشار السريع على حساب المصداقية والدقة.

عدم التحقق من المعلومات: نشر الأخبار دون تمحيص أو تدقيق، مما يؤدي إلى نشر معلومات خاطئة تضر بسمعة الإقليم ومؤسساته وأفراده.

انتهاك أخلاقيات المهنة: الخوض في أعراض الناس، التشهير، عدم احترام الخصوصية، واستخدام لغة غير لائقة.

هذه الممارسات غير المهنية، التي يقوم بها هؤلاء “الدخلاء”، تساهم بشكل مباشر في خلق “صورة سوداء” عن الإقليم. حيث يتم تعميم الحالات الفردية السلبية، وتجاهل الجوانب المشرقة، وتصوير الإقليم على أنه مكان مليء بالمشاكل، يفتقر للفرص، وتسيطر عليه السلبية. هذه الصورة المشوهة تؤدي إلى:

نفور المستثمرين والسياح.

إحباط الكفاءات المحلية ودفعها للهجرة (هجرة الأدمغة).

صعوبة تنفيذ الخطط التنموية بسبب ضعف الثقة وغياب الحاضنة الشعبية الإيجابية.

ترسيخ صور نمطية سلبية يصعب تغييرها.

استراتيجيات مقترحة لتعزيز دور الإعلام المحلي في جاذبية الإقليم (الجزائر نموذجاً):

لمواجهة هذه التحديات وتعزيز الدور الإيجابي للإعلام المحلي في بناء جاذبية الأقاليم الجزائرية، نقترح الاستراتيجيات التالية:

تعزيز المهنية والاحترافية:

التكوين المستمر: تنظيم دورات تدريبية متخصصة للإعلاميين المحليين حول أخلاقيات المهنة، تقنيات الصحافة الحديثة (صحافة البيانات، صحافة الموبايل)، أسس التغطية الاقتصادية والسياحية، وفنون التسويق الترابي.

دعم المؤسسات الإعلامية المحلية الجادة: توفير بيئة عمل مناسبة وتشجيع الاستثمار في الإعلام المحلي المحترف القادر على إنتاج محتوى نوعي.

مواثيق الشرف المهنية: تبني وتفعيل مواثيق شرف تلزم العاملين في الحقل الإعلامي المحلي بالموضوعية، الدقة، والحيادية.

توجيه المحتوى نحو البناء:

التركيز على “صحافة الحلول”: عدم الاكتفاء بعرض المشاكل، بل البحث عن الحلول والمبادرات الإيجابية وتسليط الضوء عليها.

إنتاج محتوى متخصص: تخصيص مساحات وبرامج منتظمة للتعريف بالفرص الاستثمارية، المقومات السياحية، التراث الثقافي، والمشاريع التنموية في الإقليم.

الاحتفاء بالنجاحات المحلية: إبراز قصص نجاح رواد الأعمال، المبدعين، الرياضيين، والجمعيات الفاعلة في الإقليم.

التشبيك والشراكات:

بناء جسور مع الفاعلين المحليين: إقامة علاقات شراكة وتعاون بين وسائل الإعلام المحلية والسلطات المحلية، غرف التجارة والصناعة، مديريات السياحة، الجامعات، والمجتمع المدني لتبادل المعلومات وتنسيق الجهود الترويجية.

إنشاء “مرصد إعلامي للتنمية الإقليمية”: هيئة تنسيقية تضم إعلاميين وخبراء وممثلين عن مختلف القطاعات لوضع استراتيجيات إعلامية مشتركة لخدمة جاذبية الإقليم.

الاستثمار في الإعلام الرقمي المسؤول:

تطوير منصات رقمية محلية جاذبة: إنشاء مواقع إلكترونية وتطبيقات وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم محتوى إعلامياً محترفاً وجذاباً عن الإقليم بلغات متعددة.

مواجهة المحتوى السلبي: رصد الشائعات والأخبار المغلوطة التي تستهدف الإقليم والرد عليها بشكل مهني وسريع بالحقائق والمعلومات الدقيقة.

إشراك المواطن:

فتح قنوات للتفاعل: إتاحة الفرصة للمواطنين للتعبير عن آرائهم واقتراحاتهم والمساهمة في نقل الصورة الإيجابية لإقليمهم (صحافة المواطن المؤطرة).

إن بناء صورة إيجابية وجاذبة لأي إقليم في الجزائر هو مسؤولية مشتركة، لكن الإعلام المحلي المحترف يقع في قلب هذه المعادلة. فبقدر التزامه بالمهنية والموضوعية، وتبنيه لاستراتيجيات تركز على البناء والتسويق الإيجابي، بقدر ما يساهم في فتح آفاق واعدة للتنمية وجذب الاستثمارات وتحسين نوعية الحياة. وفي المقابل، يبقى خطر “الإعلام الدخيل” قائماً، مما يستدعي تضافر الجهود لتعزيز الاحترافية ورفع الوعي بأهمية الدور الحاسم للإعلام المسؤول في رسم مستقبل الأقاليم الجزائرية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى