
الأستاذ : أحمد لونيسي
في زمن يشهد تسارعًا غير مسبوق في التحولات الحضرية والتكنولوجية، لم تعد البلديات مجرد وحدات إدارية تقليدية، بل أصبحت محركات أساسية للتنمية المستدامة وجودة الحياة. على هامش الاحتفال باليوم الوطني للبلدية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكننا الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في التسيير البلدي دون الوقوع في فخ الاستنساخ الأعمى الذي يتجاهل خصوصياتنا المحلية؟
إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب منهجية علمية تجمع بين الانفتاح على التجارب الرائدة عالميًا والتجذر العميق في الواقع المحلي، مع إدراك أن التطوير الحقيقي لا يكون بنقل النماذج الجاهزة، بل بفهم المبادئ الكامنة وراء نجاحها وتكييفها بذكاء مع سياقنا الخاص.
التحول الرقمي: من سنغافورة إلى واقعنا المحلي
تُعد سنغافورة نموذجًا عالميًا في الحوكمة الإلكترونية البلدية، حيث نجحت في تحويل 95% من خدماتها العامة إلى منصات رقمية. لكن السر لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في فلسفة “المواطن أولاً” التي تضع احتياجات السكان في قلب التصميم الرقمي.
عند النظر إلى هذه التجربة بعين الخبير، نجد أن تطبيقها محليًا يتطلب مراحل متدرجة. البداية يجب أن تكون من الخدمات الأكثر طلبًا والأقل تعقيدًا: رخص البناء، شهادات الإقامة، الشكاوى البلدية، ومتابعة طلبات الصيانة. التجربة الإماراتية في دبي تقدم لنا مثالاً عربيًا ناجحًا، حيث استطاعت “بلدية دبي” من خلال تطبيق “دبي الآن” دمج أكثر من 130 خدمة حكومية في منصة واحدة سهلة الاستخدام.
لكن التحدي الحقيقي في سياقنا المحلي ليس تقنيًا بالدرجة الأولى، بل ثقافي وبشري. نحتاج إلى برامج تدريب مكثفة للموظفين البلديين، حملات توعية للمواطنين، وخاصة كبار السن، وتوفير بدائل تقليدية خلال المرحلة الانتقالية. الرقمنة الناجحة هي تلك التي لا تترك أحدًا خلفها.
إدارة النفايات: الدروس الاسكندنافية والتطبيق العملي
تقدم السويد تجربة ملهمة في إدارة النفايات، حيث تعيد تدوير 99% من نفاياتها المنزلية، بل وتستورد النفايات من دول مجاورة لتوليد الطاقة منها. هذا النجاح لم يأتِ بقرار فوقي، بل عبر عقود من بناء ثقافة بيئية وتطوير بنية تحتية متقدمة.
التطبيق المحلي لهذا النموذج يحتاج إلى واقعية وتدرج. يمكن البدء بنظام الفرز من المصدر في أحياء نموذجية، مع تقديم حوافز مادية للمشاركين. تجربة مدينة كيجالي في رواندا تقدم درسًا مهمًا للدول النامية: حظرت المدينة الأكياس البلاستيكية بشكل تدريجي، مع توفير بدائل ميسورة التكلفة وحملات توعية مكثفة. النتيجة كانت تحولاً جذريًا في سلوك المواطنين خلال خمس سنوات فقط.
المقاربة العلمية تقتضي البدء بدراسة تركيبة النفايات المحلية، ثم تصميم نظام يناسبها. في المناطق الريفية، قد يكون التركيز على النفايات العضوية والتحويل إلى سماد أكثر جدوى من أنظمة الفرز المعقدة. في المدن الكبرى، الاستثمار في محطات معالجة متطورة ونظام جمع محكم يصبح ضرورة.
الميزانية التشاركية: تجربة بورتو أليغري ودروسها
في العام 1989، أطلقت مدينة بورتو أليغري البرازيلية تجربة رائدة في الميزانية التشاركية، حيث يشارك المواطنون مباشرة في تحديد أولويات الإنفاق البلدي. هذه التجربة انتشرت لاحقًا إلى أكثر من 1500 مدينة حول العالم.
المبدأ بسيط لكنه ثوري: بدلاً من أن تقرر النخبة الإدارية وحدها كيفية توزيع الموارد المحدودة، يُعطى المواطنون صوتًا حقيقيًا. في باريس، على سبيل المثال، تخصص البلدية 5% من ميزانيتها الاستثمارية سنويًا لمشاريع يقترحها ويصوت عليها السكان مباشرة.
التطبيق المحلي لهذا النموذج يجب أن يراعي مستوى الوعي المدني والثقافة الديمقراطية. البداية يمكن أن تكون متواضعة: تخصيص نسبة صغيرة من الميزانية (1-2%) لمشاريع يقترحها السكان في مجالات محددة كتحسين الحدائق العامة أو إنارة الأحياء. مع الوقت والتجربة، يمكن توسيع النطاق تدريجيًا.
الأهم هو ضمان الشفافية الكاملة: نشر الميزانيات، توضيح المعايير، والإعلان عن النتائج بشكل دوري. استخدام التطبيقات الرقمية يسهل العملية ويوسع المشاركة، لكن يجب توفير قنوات تقليدية أيضًا لضمان شمولية الجميع.
التخطيط الحضري المستدام: دروس من كوبنهاغن وكوريتيبا
كوبنهاغن الدنماركية وكوريتيبا البرازيلية تمثلان نموذجين مختلفين لكن متكاملين للتخطيط الحضري المستدام. كوبنهاغن راهنت على الدراجات الهوائية حتى أصبحت 62% من سكانها يستخدمونها للتنقل اليومي، بينما ابتكرت كوريتيبا نظام نقل عام سريع بتكلفة منخفضة حول المدينة من مكان للسيارات إلى نموذج للتنقل المستدام.
الدرس الأساسي من هاتين التجربتين هو أن التخطيط الحضري المستدام ليس رفاهية بل ضرورة اقتصادية وبيئية. لكن التطبيق يجب أن يراعي المناخ والثقافة المحلية. في مناطق ذات حرارة مرتفعة، توفير مسارات مظللة ومحطات مكيفة للانتظار يصبح شرطًا لنجاح النقل العام، وليس مجرد إضافة.
تجربة برشلونة في إنشاء “السوبر بلوكات” (Super Blocks) – وحدات سكنية تُعطى فيها الأولوية للمشاة والدراجات على السيارات – تقدم نموذجًا قابلاً للتطبيق في أحياء قديمة تعاني من الازدحام. البداية بحي واحد كمشروع تجريبي، مع قياس النتائج ومشاركة السكان في التقييم، يمكن أن تمهد لانتشار أوسع.
بناء القدرات: الاستثمار المنسي
كل التجارب العالمية الناجحة تشترك في عامل واحد غالبًا ما نتجاهله: الاستثمار الضخم في تطوير الموارد البشرية. في سنغافورة، يخضع كل موظف حكومي لما لا يقل عن 100 ساعة تدريب سنويًا. في فنلندا، رؤساء البلديات يُختارون بناءً على كفاءتهم الإدارية والقيادية، وليس فقط على اعتبارات سياسية أو اجتماعية.
التطوير المحلي يتطلب إنشاء معاهد متخصصة للتسيير البلدي، برامج تبادل مع بلديات ناجحة إقليميًا ودوليًا، ونظام تقييم أداء يربط الترقيات بالإنجاز الفعلي. المدير البلدي الذي نجح في تحسين نسبة تحصيل الرسوم من 40% إلى 75%، أو رفع نسبة رضا المواطنين من 50% إلى 80%، يستحق التكريم والترقية، بغض النظر عن أقدميته أو علاقاته.
التحديات والمحاذير
الاستلهام من التجارب العالمية يحمل مخاطر يجب التنبه لها:
فخ الاستنساخ الأعمى: تطبيق نموذج نجح في مجتمع مختلف دون تكييف يؤدي حتمًا للفشل. السياق الثقافي، الاقتصادي، والمؤسسي يلعب دورًا حاسمًا.
إهمال القدرات المحلية: الاعتماد الكلي على خبراء أجانب أو شركات استشارية دولية دون بناء قدرات محلية يخلق تبعية ويعيق الاستدامة.
التغيير السريع غير المدروس: التحول يحتاج وقتًا. محاولة تطبيق كل شيء دفعة واحدة تخلق فوضى ومقاومة.
إغفال البعد الاجتماعي: التطوير التقني دون مراعاة العدالة الاجتماعية قد يعمق الفجوات بدلاً من سدها.
خارطة طريق عملية
بناءً على الخبرة المقارنة، يمكن اقتراح مسار عملي للاستفادة من التجارب العالمية:
المرحلة الأولى (السنة الأولى): تشخيص دقيق للواقع المحلي، تحديد أولويات واضحة بمشاركة المواطنين، واختيار 2-3 تجارب عالمية ذات صلة لدراستها بعمق.
المرحلة الثانية (السنوات 2-3): إطلاق مشاريع تجريبية في بلديات نموذجية، مع نظام رصد وتقييم صارم. التركيز على بناء القدرات المحلية والتوثيق الدقيق للتجربة.
المرحلة الثالثة (السنوات 4-5): التوسع التدريجي للمشاريع الناجحة، مع تكييف مستمر بناءً على الدروس المستفادة. تطوير نماذج محلية أصيلة تجمع بين أفضل الممارسات العالمية والخصوصية المحلية.
الاستلهام من التجارب العالمية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية في عصر تتشابك فيه التحديات الحضرية عالميًا. لكن النجاح يتطلب توازنًا دقيقًا بين الانفتاح على الخبرات الخارجية والتجذر في الواقع المحلي، بين الطموح للتميز والواقعية في التطبيق، بين سرعة التغيير واستدامته.
البلديات الناجحة في القرن الواحد والعشرين ليست تلك التي تملك أكبر الميزانيات أو أحدث التقنيات، بل تلك التي تتعلم بذكاء، تتكيف بمرونة، وتضع المواطن في قلب كل قرار. في يومنا الوطني للبلدية، دعونا نتعهد بأن نكون متعلمين نهمين من تجارب الآخرين، ومبدعين جريئين في صياغة نماذجنا الخاصة، ومثابرين صبورين في بناء بلديات أكثر فعالية وإنسانية.
التطوير الحقيقي لا يُستورد جاهزًا، بل يُبنى يوميًا بعرق الخبراء المحليين، بمشاركة المواطنين، وبإيمان راسخ بأن التغيير الإيجابي ممكن دائمًا عندما تتوفر الإرادة والمنهجية العلمية.