مجتمع

رحيل المجاهد جومادي عياش… رمز الصمود وذاكرة الثورة الجزائرية

المجاهد جومادي عياش… ذاكرة نضال لم يمحها الزمن
باتنة –
تحتفظ ذاكرة مدينة باتنة بأسماء رجال ونساء صنعوا تاريخ الثورة التحريرية في صمت، ومن بينهم المجاهد جومادي عياش، أحد أبناء الأوراس الذين وهبوا أعمارهم للوطن، نضالًا ووفاءً.
وُلد المجاهد جومادي عياش سنة 1936 بمنطقة بتيلاطو بباتنة، وعاش قسوة الاستعمار الفرنسي، فانخرط في صفوف الثورة التحريرية الجزائرية، حيث شارك في النشاط الفدائي داخل المدينة، وهو من أخطر أشكال العمل الثوري وأكثرها سرية ،وبحسب شهادات متداولة لرفاقه، كان مطاردًا من طرف سلطات الاستعمار وصادر في حقه حكم بالإعدام، فعاش سنوات طويلة تحت التهديد والملاحقة، وشارك في عمليات فدائية نوعية تعكس شجاعة فدائيي المدن واستعدادهم للتضحية.
وتضيف شهادات بعض رفاقه أنّه، بعد إقدام قوات الاستعمار على قتل أحد رفاقه، خرج في إحدى الليالي في مهمة فدائية سرية، نفّذ خلالها عملية ضد عناصر من قوات الاحتلال، ثم عاد قبل الفجر إلى موقعه دون أن يُكتشف أمره. وتُروى هذه الحكايات باعتبارها شهادات تاريخية تعبّر عن طبيعة المرحلة القاسية، وحجم التوتر والمخاطر التي كان يعيشها الفدائيون.


ورغم معاناته في سنواته الأخيرة من مرض الزهايمر، ظلّ المجاهد جومادي عياش محتفظًا بذاكرة الثورة بكل تفاصيلها، ولم ينسَ يومًا مسيرته النضالية ولا ما عاشه خلال فترة الاستعمار. وكان يوصي أحفاده دائمًا قائلاً: “كي نموت، بعد ما يكفنوني، غطّوني بالعلم الجزائري”. ويضيفون أن جدتهم المجاهدة كانت تحرص، في كل مرة يُحمل فيها العلم، على توجيه النجمة إلى الأعلى، في دلالة رمزية على احترام الراية الوطنية ومعناها.
وبعد الاستقلال، التحق المجاهد جومادي عياش بسلك الأمن الوطني، حيث اشتغل بالعاصمة الجزائرية ثم بولاية بسكرة، قبل أن يستقر نهائيًا بمدينة باتنة، أين شغل منصب مفتش. واصل أداء مهامه بكل تفانٍ، ولم يتوقف عطاؤه حتى بعد تقاعده، إذ ظل في خدمة الوطن، مجسدًا صورة المجاهد الذي لم تنقطع رسالته بانتهاء المهام الرسمية.

Oplus_131072


ولم يكن الفقيد وحيدًا في مسيرة النضال، فقد شاركته الطريق زوجته المجاهدة المرحومة جابالله عقيلة، المعروفة بلقب “سودة” لشدة سواد شعرها وطول قامتها. وكانت مثالًا للمرأة الجزائرية المناضلة، إذ ساهمت في دعم الثورة، وتعرضت للاعتقال بعد محاولتها تمرير السلاح لزوجها داخل السجن، وهو ما كانت تسميه في رواياتها العائلية بـ“المناشر”. ولم تكن وحدها، فقد كانت برفقتها ابنتها الكبرى جميلة.
وتشير الشهادة العائلية إلى أن المجاهدة جابالله عقيلة تعرّضت للاعتقال أكثر من مرة، وبعد خروجها من السجن أقدمت سلطات الاستعمار على قصّ شعرها في محاولة لكسرها نفسيًا ، وعندما حاول الجنود أخذ ابنتها منها، لجأت إلى حيلة ذكية، حيث غطّت وجه وجسد ابنتها بالفحم، ووضعتها وسط مجموعة من البنات في حي 150 مسكن حاليًا، وعند قدوم الجنود لم يتمكنوا من التعرف عليها بين الأطفال ، كما قامت لاحقًا بإخفاء ابنتها لدى إحدى العائلات في ديار لاكومين داخل برميل حفاظًا على سلامتها، دون أن تفصح عن مكانها لأي جهة.


توفيت المجاهدة جابالله عقيلة يوم 16 ماي 2008، وبعد سنوات من رحيلها، شاء الله أن يُدفن المجاهد جومادي عياش أمامها، في مشهد إنساني عميق الدلالة، يعكس وحدة النضال والمصير.
وتوفي المجاهد جومادي عياش بمدينة باتنة يوم 15 جانفي 2026، بعد مسيرة حافلة بالصبر والتضحية، ليبقى اسمه واسم زوجته محفورين في ذاكرة باتنة وتاريخ الثورة الجزائرية، كشاهدين على مرحلة صنعت حرية وطن بأكمله

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى