
الأستاذ _أحمد لونيسي
يشهد الاتصال الحكومي المحلي في العصر الرقمي تحولات بنيوية عميقة فرضتها الثورة الاتصالية التي قادتها وسائل التواصل الاجتماعي. فقد انتقل الاتصال من نموذج أحادي الاتجاه، تتحكم فيه المؤسسات العمومية في الرسالة والزمن والوسيط، إلى نموذج تفاعلي مفتوح، يشارك فيه المواطن بوصفه منتجًا ومفسرًا وناشرًا للخطاب. وفي هذا السياق الجديد، لم تعد أزمات الرأي العام مرتبطة فقط بقرارات إدارية أو اختلالات ميدانية، بل أصبحت نتاجًا مباشرًا لفشل الاتصال أو سوء إدارته، خاصة في ظل تنامي ظاهرة غرف الصدى الرقمية.
يرى مانويل كاستلز أن «السلطة في المجتمع الشبكي لم تعد تُمارَس عبر المؤسسات وحدها، بل عبر التحكم في تدفقات الاتصال والمعنى» (Castells, 2009). وانطلاقًا من هذا التصور، يصبح الاتصال الحكومي المحلي رهانًا استراتيجيًا، لا يقل أهمية عن القرار الإداري نفسه.
أولًا: الرأي العام المحلي في البيئة الرقمية
يُعد الرأي العام أحد المفاهيم المركزية في علوم الاتصال والعلوم الاجتماعية، وقد عرّفته إليزابيث نويل-نيومان بأنه «الآراء التي يمكن التعبير عنها في العلن دون خوف من العزلة الاجتماعية» (Noelle-Neumann, 1993). غير أن هذا التعريف الكلاسيكي يواجه تحديات كبيرة في البيئة الرقمية، حيث لم يعد الخوف من العزلة حاضرًا بالحدة نفسها، بل على العكس، أصبحت المنصات الرقمية توفر للفرد جماعات داعمة تعزز مواقفه حتى وإن كانت هامشية.
في السياق المحلي، يتشكّل الرأي العام حول قضايا يومية ملموسة، مثل السكن، والطرقات، والمشاريع التنموية، والخدمات العمومية. وتكمن خطورة هذا الرأي العام الرقمي في كونه سريع الاشتعال، شديد التأثر بالصور والفيديوهات، وقابلًا للتحول من نقاش افتراضي إلى ضغط اجتماعي حقيقي على السلطات المحلية. وهنا يبرز الفرق بين الرأي العام الوطني، الذي يتميّز بطابع أكثر تجريدًا، والرأي العام المحلي الذي يتغذى من القرب المكاني والوجداني.
ثانيًا: غرف الصدى كإطار مفسّر لتشويه الاتصال الحكومي
يُعد مفهوم غرف الصدى من المفاهيم الأساسية لفهم تعقيدات الاتصال الرقمي المعاصر. ويعرّفها كاس سانستين بأنها «الفضاءات التي لا يسمع فيها الأفراد إلا الأصوات التي تشبه أصواتهم، ما يؤدي إلى تضييق أفق النقاش وتعزيز الاستقطاب» (Sunstein, 2017).
في الاتصال الحكومي المحلي، تتجلى غرف الصدى بوضوح من خلال الصفحات والمجموعات المحلية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعاد صياغة الأخبار الرسمية، أو اقتطاعها من سياقها، أو تحميلها دلالات رمزية تتجاوز مضمونها الإداري. ومع تكرار الرسائل داخل الدائرة نفسها، تتحول المعلومة إلى “حقيقة شعورية” يصعب تفكيكها بالتصحيح التقليدي.
وتكمن خطورة غرف الصدى في أنها لا تعارض الخطاب الرسمي فقط، بل تُنتج خطابًا بديلًا يمتلك شرعية رقمية نابعة من التفاعل والمشاركة، لا من الدقة أو المصداقية.
ثالثًا: أزمات الرأي العام في الاتصال الحكومي المحلي
تتخذ أزمات الرأي العام في السياق المحلي طابعًا خاصًا، إذ غالبًا ما تنطلق من حادثة محدودة أو قرار إداري جزئي، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمة اتصال شاملة. ويشير وليم كومبس إلى أن «الأزمة لا تُقاس بخطورة الحدث في حد ذاته، بل بكيفية إدراك الجمهور له» (Coombs, 2015).
في كثير من الحالات، لا يكون سبب الأزمة خللًا إداريًا جوهريًا، بل غياب التفسير، أو تأخر الرد، أو اعتماد لغة تقنية لا تتناسب مع انتظارات المواطن. ومع تصاعد التفاعل الرقمي، تتضاعف الأزمة بفعل ما يسميه كومبس بـ«الأزمة الثانوية»، الناتجة عن فشل الاتصال وليس عن أصل المشكلة (Coombs, 2019).
رابعًا: الاتصال الاستباقي كمدخل لإدارة الأزمات
تؤكد الأدبيات الحديثة في الاتصال الحكومي أن أفضل طريقة لإدارة الأزمة هي منعها أو احتواؤها في مراحلها الأولى. فالاستماع الرقمي، وتحليل اتجاهات النقاش، ومتابعة الصفحات المحلية المؤثرة، كلها أدوات تسمح بفهم المزاج العام قبل تحوّله إلى أزمة معلنة.
وترى كاثلين فيرن-بانكس أن «المنظمات التي تستثمر في الاتصال قبل الأزمة، تمتلك هامش مناورة أوسع أثناءها» (Fearn-Banks, 2016). وفي السياق المحلي، يكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة، لأن القرب الجغرافي والاجتماعي يفرض سرعة أكبر في التفاعل والاستجابة.
خامسًا: الشفافية وإدارة السردية المحلية
لم تعد الشفافية في الاتصال الحكومي خيارًا أخلاقيًا فقط، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. فالجمهور الرقمي، خصوصًا على المستوى المحلي، لا ينتظر الكمال الإداري، بل ينتظر التفسير والاعتراف والتواصل.
وتشير دراسات الاتصال إلى أن الاعتراف الجزئي بالأخطاء، مقرونًا بشرح السياق والإجراءات التصحيحية، يساهم في تخفيف حدّة الأزمة وبناء الثقة على المدى المتوسط. فكما يقول هابرماس: «الشرعية في الفضاء العمومي تُبنى بالحوار، لا بالسلطة» (Habermas, 1989).
إدارة السردية المحلية تعني هنا عدم ترك فراغ معلوماتي يُملأ بالشائعات، بل تقديم قصة متماسكة تربط القرار الإداري بالمصلحة العامة، وتُظهر حضور السلطة المحلية في الميدان لا في البيانات فقط.
سادسًا: كسر غرف الصدى ورفع الصدى الإيجابي
كسر غرف الصدى لا يتحقق بالمواجهة المباشرة أو بنفي الروايات المتداولة فقط، بل عبر اختراقها بخطاب بديل يمتلك قابلية الانتشار. ويؤكد جوناه بيرغر أن «الرسائل التي تنتشر ليست الأكثر صحة، بل الأكثر ارتباطًا بالعاطفة والسياق الاجتماعي» (Berger, 2013).
في الاتصال الحكومي المحلي، يتحقق رفع الصدى الإيجابي عندما تُقدَّم المعلومة بلغة المواطن، وتُدعَّم بالصور الميدانية، ويُستعان بفاعلين محليين يحظون بالثقة. فالصدى هنا ليس حجم التفاعل فقط، بل نوعيته وقدرته على خلق فهم مشترك.
ختاما، تُظهر هذه الدراسة أن أزمات الرأي العام في الاتصال الحكومي المحلي لم تعد أزمات ظرفية، بل تعبيرًا عن تحوّل عميق في بنية الاتصال العمومي. كما أن غرف الصدى تمثل تحديًا هيكليًا يتطلب إعادة تعريف دور خلية الإعلام والاتصال من جهاز تبريري إلى فاعل استراتيجي في بناء المعنى والثقة.
إن نجاح الولايات والبلديات في إدارة الرأي العام الرقمي مرهون بقدرتها على الجمع بين الرصد المبكر، والشفافية، وإدارة السردية، والحوار المستمر مع المواطن، في إطار اتصال عمومي حديث يواكب تحولات المجتمع الشبكي.