
في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال، احتضنت دار الثقافة محمد العيد آل خليفة بولاية باتنة، مساء أمس، العرض الأول للملحمة التاريخية “منتصرون”، تحت رعاية والي الولاية رياض بن أحمد، وتنظيم مديرية الثقافة والفنون، في عمل مسرحي فرجوي ضخم جمع بين الأداء الدرامي والكوريغرافيا والموسيقى والمؤثرات السمعية والبصرية، ليستحضر أبرز المحطات التي صنعت تاريخ الجزائر عبر العصور.
وافتتح العرض بلوحات جسدت عهد الملك ماسينيسا، مؤسس الدولة النوميدية وموحد ممالكها، قبل الانتقال إلى شخصية يوغرطة الذي خاض حربًا طويلة ضد الإمبراطورية الرومانية دفاعًا عن استقلال مملكته. كما استعرضت الملحمة مرحلة الفتوحات الإسلامية، مجسدة شخصيتي إكسل (كسيلة) والكاهنة، ثم تناولت تعاقب الدول الإسلامية، وصولًا إلى العهد العثماني الذي شكل محطة مهمة في تاريخ الجزائر، قبل الانتقال إلى حادثة المروحة سنة 1827، التي اتخذتها فرنسا ذريعة لاحتلال الجزائر سنة 1830.

وتواصلت أحداث الملحمة باستحضار أبرز المقاومات الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، من خلال ثورة الزعاطشة، وثورة الشيخ المقراني، إلى جانب ثورات التوارق في الجنوب الجزائري التي واجهت التوسع الاستعماري الفرنسي، كما سلطت الضوء على الدور الإصلاحي للإمام عبد الحميد بن باديس في الحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخ مقومات الشخصية الجزائرية.

وفي الجزء الأخير، انتقل العرض إلى الثورة التحريرية المجيدة، حيث جسد الفنانون شخصيات مجموعة الستة مفجري ثورة أول نوفمبر 1954، وهم مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد، العربي بن مهيدي، رابح بيطاط، محمد بوضياف، وكريم بلقاسم، إلى جانب المجاهد الحاج لخضر، كما أبرز الدور البطولي للمرأة الجزائرية من خلال تجسيد شخصيات فاطمة نسومر، والشهيدة زيزة مليكة، والشهيدة مريم بوعتورة، والشهيدة فضيلة سعدان، إلى جانب شقيقتها المجاهدة صليحة سعدان، في لوحات جسدت تضحيات الجزائريات في سبيل الحرية والاستقلال، قبل أن يُختتم العرض بمشهد إعلان الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962 وسط تفاعل كبير من الجمهور.

وشارك في تجسيد هذه الملحمة أكثر من 45 ممثلًا وممثلة، إلى جانب ثمانية راقصين في الباليه، في عمل جماعي جاء من تصميم كريم بودشيش، عن نص للسعيد بومرقة، فيما حملت الكوريغرافيا توقيع توفيق بخوش، وتولى علي جبارة مهمة المستشار الفني، بينما أشرف بن حميدة يونس على الريجيسور العام، ووضع الموسيقى عبد الكريم حمري، وتكفل عبد الحميد ليتيم بتقنيات الصوت والفيديو والإضاءة، فيما أشرف فارس بولراش على تصميم الملابس والإكسسوارات.
ونجحت الملحمة “منتصرون” في تقديم بانوراما مسرحية امتدت من تأسيس الدولة النوميدية إلى استرجاع الاستقلال، مؤكدة أن تاريخ الجزائر هو مسيرة متواصلة من الصمود والمقاومة والتضحية، وأن الأجيال المتعاقبة، من ملوك وقادة ومصلحين ومجاهدين وشهداء، أسهمت جميعها في صناعة هوية وطن ظل عبر العصور عنوانًا للعزة والانتصار.
