
بقلم الأستاذ أحمد لونيسي
في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تواجه البشرية طوفاناً غير مسبوق من المعلومات النصية. لم تعد المشكلة تكمن في ندرة المعرفة، بل في وفرتها المفرطة التي تتجاوز القدرات المعرفية للدماغ البشري على المعالجة والاستيعاب. في خضم هذا الإغراق المعلوماتي، برز الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحديداً النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، كأداة ثورية تعد بإعادة تشكيل علاقتنا التاريخية بالكلمة المكتوبة. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول ماهية “القراءة” في العصر الرقمي، وما إذا كنا نشهد تطوراً في قدراتنا أم ضموراً في مهاراتنا المعرفية العميقة.
تحول في ميكانيكا القراءة: من الغوص إلى التزلج
تاريخياً، كانت القراءة عملية خطية، تتطلب انغماساً ذهنياً يسمح للقارئ ببناء عوالم داخلية، وربط الأفكار المعقدة، وتنمية التعاطف والتفكير النقدي. هذه العملية، التي يطلق عليها علماء الأعصاب المعرفيون “القراءة العميقة” (Deep Reading)، هي التي شكلت العقل البشري الحديث.
ومع ذلك، فإن الأدوات الرقمية، والآن الذكاء الاصطناعي، تدفعنا نحو نمط مختلف تماماً من المعالجة. تشير الاستدلالات المستمدة من تحليل التفاعل الحالي مع أدوات الذكاء الاصطناعي إلى أننا نتحول من “قراء” إلى “مديري معلومات”. بدلاً من قراءة كتاب كامل أو ورقة بحثية مطولة، يمكن للمستخدم الآن الطلب من نموذج ذكاء اصطناعي تقديم ملخص تنفيذي في ثوانٍ، أو استخراج النقاط الرئيسية، أو حتى إجراء مقارنات بين نصوص متعددة.
هذه القدرة الخارقة على “المسح الرقمي” (Digital Scanning) توفر وقتاً هائلاً وتسمح بالتعامل مع كميات ضخمة من البيانات. ولكن، كما تشير أبحاث في علم النفس المعرفي (مثل أعمال ماريان وولف حول الدماغ القارئ)، فإن هذا النمط يشجع على “القراءة السطحية” أو التصفح (Skimming). الخطر هنا لا يكمن في استخدام الأداة، بل في الاعتماد الكلي عليها، مما قد يؤدي إلى إضعاف الدوائر العصبية المسؤولة عن التحليل العميق والصبر المعرفي اللازم لفهم النصوص المعقدة دون وسيط.
التكلفة المعرفية لـ “التعهيد الخارجي” للفهم
عندما نوكل مهمة “القراءة والفهم” إلى الذكاء الاصطناعي، فإننا نقوم بعملية “تعهيد خارجي” (Outsourcing) لوظيفة دماغية حيوية. الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ تطوره الحالي، لا “يفهم” المعنى بالطريقة البشرية؛ هو يعالج انماطاً إحصائية للغة.
النقطة المحورية التي يثيرها الخبراء في هذا المجال هي فقدان “الرحلة” المعرفية. القراءة ليست مجرد الوصول إلى النتيجة النهائية أو المعلومة المقتضبة؛ إنها العملية الذهنية الشاقة لفك الشفرة، ومواجهة الغموض، وبناء السياق. عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإزالة هذا الجهد، فإنه قد يزيل معه فرصة تدريب عضلات التفكير النقدي لدينا. نحن نخاطر بالتحول إلى مستهلكين سلبيين لـ “مخرجات” جاهزة بدلاً من أن نكون مفكرين نشطين يتفاعلون مع النص الأصلي.
علاوة على ذلك، يساهم الذكاء الاصطناعي نفسه في تفاقم مشكلة تضخم المحتوى. سهولة توليد النصوص تعني أننا سنغرق في المزيد من المحتوى “متوسط الجودة”، مما يضطرنا أكثر للاعتماد على الذكاء الاصطناعي لفلترته وقراءته نيابة عنا، في حلقة مفرغة من الإنتاج والاستهلاك الآلي.
نحو محو أمية جديد: القراءة الهجينة
على الرغم من هذه التحديات، لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كعدو للقراءة، بل كواقع جديد يتطلب تكيفاً. المستقبل لا يكمن في التخلي عن القراءة البشرية، بل في تطوير نموذج “قراءة هجينة” أو “ذكاء معزز” (Augmented Intelligence).
في هذا النموذج الجديد، تتغير المهارات المطلوبة. لم يعد الحفظ أو القدرة على القراءة السريعة هي المعيار الأهم. بدلاً من ذلك، تصبح المهارات العليا هي الحاسمة:
- القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة: لكي يكون ملخص الذكاء الاصطناعي مفيداً، يجب أن يعرف الإنسان ماذا يسأل.
- التقييم النقدي للمخرجات: القدرة على تمييز الهلوسات المحتملة للذكاء الاصطناعي، والتحقق من المصادر، وفهم التحيزات الكامنة في البيانات.
- التوليف الإبداعي (Synthesis): استخدام الذكاء الاصطناعي لجمع الأجزاء المتناثرة، ثم استخدام العقل البشري لربطها بطرق مبتكرة وخلق معنى جديد لا تستطيع الآلة الوصول إليه.
إن الذكاء الاصطناعي لا يقتل القراءة، بل يعيد تعريفها جذرياً. نحن نبتعد عن نموذج القراءة كـ “استيعاب سلبي” للمعلومات، ونتجه نحو نموذج القراءة كـ “إدارة استراتيجية” للمعرفة. ستبقى القراءة العميقة مهارة نخبوية وضرورية للحفاظ على عمقنا الإنساني، بينما سيصبح الذكاء الاصطناعي الرفيق الدائم للإبحار في محيط المعلومات الواسع. التحدي الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون في مدى سرعة قراءة الآلات، بل في مدى حكمتنا في استخدام قراءتها لخدمة فهمنا البشري الأعمق.