الرأي

حرائق الجزائر الأخيرة: عندما تصبح المعلومة الصحيحة جزءًا من عملية الإنقاذ

بقلم: بن دايخة ياسمين | باحثة في علوم الإعلام والاتصال | سبتمبر 2026

لم تكن موجة الحرائق التي شهدتها عدة ولايات جزائرية خلال صيف 2026 مجرد سباق مع ألسنة اللهب، بل كانت أيضًا اختبارًا لقدرة منظومة الطوارئ على إدارة المعلومة تحت ضغط الزمن والخوف واتساع رقعة التدخل.

ففي السابع والعشرين من أغسطس، أفادت حصيلة رسمية بتسجيل 193 حريقًا عبر عدة ولايات وإخماد 147 منها إلى غاية الساعة السابعة صباحًا. وفي اليوم التالي، أعلنت الحماية المدنية إخماد 110 حرائق من أصل 174 حريقًا مسجلًا خلال أربع وعشرين ساعة، قبل أن تعلن في الثلاثين من أغسطس السيطرة الكاملة على الحرائق التي اندلعت بين 26 و30 أغسطس.

ولا تُجمع هذه الأرقام اليومية لأنها قد تتعلق بفترات وحوادث متداخلة، لكنها تكشف بوضوح سرعة تغيّر الوضع الميداني والحاجة إلى تحديث إعلامي متواصل.

الأزمة لا تُدار بالخراطيم وحدها

حين يندلع حريق واسع، تنصرف الأنظار طبيعيًا إلى الشاحنات والطائرات وفرق التدخل. غير أن جانبًا أقل ظهورًا يوازي العمل الميداني أهمية، وهو الاتصال.

فالسكان يحتاجون إلى معرفة مكان الخطر واتجاهه، والطرق التي ينبغي تجنبها، وما إذا كان الإخلاء ضروريًا، وكيفية التصرف عند اقتراب الدخان أو النيران.

كما تحتاج وسائل الإعلام إلى مصدر رسمي سريع يمنع تضارب الأرقام، بينما تحتاج فرق التدخل نفسها إلى تدفق منظم للمعلومات يسمح بتوزيع الموارد وتحديد الأولويات.

لهذا لا يكون الاتصال أثناء الطوارئ نشاطًا ثانويًا يأتي بعد السيطرة على الحدث؛ إنه جزء من الاستجابة ذاتها.

فالمعلومة الصحيحة قد تقلل حركة الفضوليين نحو مواقع الحرائق، وتساعد العائلات على اتخاذ قرار آمن، وتتيح للمواطنين التبليغ عن بؤر جديدة دون إغراق خطوط النجدة بمكالمات لا تتضمن موقعًا أو وصفًا واضحًا.

بين السرعة والدقة

تفرض الحرائق إيقاعًا سريعًا، لكن السرعة وحدها لا تكفي.

فالبالغ الذي لا يذكر ساعة التحديث، أو يكتفي باسم الولاية من دون تحديد البلدية والمنطقة، قد يفقد جزءًا كبيرًا من فائدته. كما أن صورة قديمة يعاد نشرها على أنها حديثة يمكن أن توحي بأن حريقًا ما يزال مشتعلًا بعد السيطرة عليه، أو أن منطقة غير مهددة أصبحت في خطر.

لذلك ينبغي أن يجيب كل تحديث رسمي، قدر الإمكان، عن أسئلة عملية:

أين يقع الحريق؟ ما وضعه الحالي؟ ما المناطق المعنية؟ ماذا ينبغي للمواطن أن يفعل؟ ومتى يصدر التحديث التالي؟

ولا تعني الدقة انتظار اكتمال كل التفاصيل. عندما تكون المعلومات أولية، يمكن للمؤسسة أن تقول ذلك بوضوح، ثم تصححها وتستكملها في تحديثات مؤرخة.

هذا الأسلوب أفضل من الفراغ الاتصالي؛ لأن غياب الصوت الرسمي يترك المجال للتخمين والمبالغة والمعلومات مجهولة المصدر.

صوت رسمي واحد ورسائل محلية دقيقة

تحتاج الأزمات الواسعة إلى توازن بين مركزية الرسالة ودقة المعلومة المحلية.

فالقيادة الوطنية توفر الحصيلة العامة وتوحّد المصطلحات، بينما تملك المصالح الولائية والبلدية التفاصيل الأقرب إلى السكان.

وعندما تتعارض الأرقام أو تختلف صياغة التعليمات بين هذه المستويات، تتراجع الثقة حتى لو كان العمل الميداني فعالًا.

لذلك يفيد تحديد متحدث رسمي معروف، واعتماد قالب موحد للبلاغات، وربط كل معلومة بمكانها ووقتها ومصدرها.

ما الذي تكشفه تجربة الحماية المدنية في باتنة؟

تتيح دراسة ميدانية أُنجزت في إطار مذكرة ماستر حول اتصال الأزمة وتحسين آليات الاستجابة للطوارئ بمديرية الحماية المدنية لولاية باتنة قراءة هذه المسألة من داخل المؤسسة.

وقد اعتمدت الدراسة على مقابلة معمقة مع مسؤول الإعلام والاتصال، إلى جانب ملاحظة مباشرة داخل الوحدة الرئيسية.

وأظهرت وجود وعي بأهمية التخطيط القبلي، والاتصال الهرمي، والتنسيق بين مركز العمليات والأعوان، والاستفادة من الوسائل التقليدية والرقمية في نقل المعلومات.

وفي المقابل، أبرزت الدراسة تحديات ترتبط بالحاجة إلى مزيد من التكوين المتخصص، وتحسين التغطية والاتصال في بعض المناطق، وتوحيد الرسائل وتقوية التنسيق في الظروف سريعة التغير.

ولا تعني هذه النتائج أنها قياس مباشر لأداء الحماية المدنية خلال حرائق 2026، لأن العمل الميداني أُنجز قبلها وفي ولاية باتنة؛ لكنها توفر إطارًا عمليًا لفهم لماذا يصبح الاتصال عنصرًا حاسمًا كلما اتسعت رقعة الطوارئ وتعددت الجهات المتدخلة.

الإشاعة: حريق ثانٍ

في لحظات القلق، تنتشر المقاطع القصيرة والصور والأرقام بسرعة تفوق أحيانًا قدرة الجهات الرسمية على التحقق.

وقد يؤدي تداول خبر غير مؤكد عن ضحايا أو إجلاء منطقة إلى إثارة الذعر، كما قد يعرقل مقطع قديم فهم الوضع الحقيقي.

ومواجهة ذلك لا تتحقق بمجرد نفي عام ومتأخر، بل عبر رصد سريع لما يتداول، وتصحيح محدد يذكر الادعاء الخاطئ والمعلومة الصحيحة ومصدرها، ثم نشر التصحيح في القنوات نفسها التي انتشرت فيها الإشاعة.

ويتحمل المواطن ووسائل الإعلام مسؤولية موازية: التحقق من تاريخ الصورة ومكانها، وعدم نشر حصائل غير منسوبة، والاعتماد على قنوات الحماية المدنية والسلطات المختصة.

فالمشاركة الرقمية أثناء الأزمة ليست فعلًا محايدًا؛ قد تكون دعمًا لجهود الإنقاذ، وقد تتحول إلى مصدر ارتباك إذا غابت عنها الدقة.

الاتصال يبدأ قبل الحريق ويستمر بعده

لا ينبغي انتظار اشتعال الغابة لبدء التواصل.

قبل موسم الحرائق، تحتاج المناطق المعرضة للخطر إلى حملات منتظمة تشرح سلوك الوقاية، وأرقام التبليغ، والمعلومات التي يجب تقديمها عند الاتصال، وكيفية حماية الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

وأثناء الحريق، تصبح الأولوية للإنذارات المحلية والتحديثات الدورية وتعليمات الإخلاء والسلامة.

أما بعد السيطرة، فيستمر دور الاتصال من خلال توضيح وضع المناطق المتضررة، ومسارات المساعدة والتعويض، وتصحيح الحصائل، وعرض الدروس المستفادة بشفافية.

نحو منظومة اتصال أكثر تكاملًا

تكشف الحرائق الأخيرة الحاجة إلى منصة رسمية موحدة تعرض خريطة محينة للحوادث وتاريخ كل تحديث، وإلى متحدثين مدربين على مستوى الولايات، ورسائل قصيرة واضحة قابلة للنشر عبر الإذاعة والتلفزيون ومواقع التواصل والرسائل الهاتفية.

كما ينبغي إدماج تدريبات الاتصال ومحاكاة تدفق المعلومات ضمن مناورات الحماية المدنية، وإنشاء آلية سريعة لرصد الإشاعات وتصحيحها، مع مراعاة السكان الذين لا تصلهم الشبكات الرقمية بسهولة.

إن نجاح الاستجابة للطوارئ لا يُقاس فقط بعدد الحرائق التي جرى إخمادها، بل أيضًا بمدى وصول المعلومة الصحيحة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب، وبقدرة الرسالة الرسمية على تحويل الخوف إلى سلوك آمن.

ففي مواجهة النار، قد تكون سيارة الإطفاء في الميدان هي الأداة الأوضح للإنقاذ، لكن بلاغًا دقيقًا وموثوقًا، وهاتفًا يعمل، ومتحدثًا موثوقًا، قد تكون لها هي الأخرى قدرة حقيقية على حماية الأرواح.

مصادر الوقائع

  • وكالة الأنباء الجزائرية، 27 أغسطس 2026: إخماد 147 حريقًا من أصل 193 إلى غاية السابعة صباحًا.
  • وكالة الأنباء الجزائرية، 28 أغسطس 2026: إخماد 110 حرائق من أصل 174 خلال 24 ساعة.
  • وكالة الأنباء الجزائرية، 30 أغسطس 2026: السيطرة الكاملة على الحرائق المندلعة بين 26 و30 أغسطس.

إشارة: يستند هذا المقال إلى دراسة ميدانية أُنجزت في إطار مذكرة ماستر مشتركة حول اتصال الأزمة وتحسين آليات الاستجابة للطوارئ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى