الشهيد شبعاني التونسي.. ضابط من الرعيل الأول ارتقى في آخر مهام الثورة
يعدّ الشهيد شبعاني التونسي، المدعو محمد، واحدًا من مجاهدي الرعيل الأول الذين حملوا السلاح منذ اندلاع ثورة التحرير، وظلوا أوفياء للعهد حتى ارتقوا في ميادين الشرف.
وُلد الشهيد يوم 28 نوفمبر 1927 ببلدية أولاد زاوي التابعة لدائرة سوق نعمان بولاية أم البواقي، وهو ابن عبد الله بن محمد الهادي والسيدة شبعاني حدة. نشأ في أسرة وطنية محافظة عُرفت بتشبثها بالقيم الثورية، إلى جانب أخويه المجاهدين شبعاني الطيب والهاشمي، وأخته مريم رحمهم الله. وعاشت الأسرة على الفلاحة، في بيئة ريفية غرست فيه حب الأرض والتمسك بالوطن.

مع اندلاع ثورة التحرير المجيدة سنة 1954، التحق بصفوف جيش التحرير الوطني رفقة المجاهد غضبان الشاوش الطيب، وكان من أوائل الذين آمنوا بخيار الكفاح المسلح. وبفضل شجاعته وانضباطه، عُيّن ضابطًا في كتيبة بوعريف شمرة إلى جانب أخيه المجاهد شبعاني الطيب، وشارك في العديد من المهام العسكرية بالولاية الأولى التاريخية.
وفي فيفري 1962، كلّف قائد الولاية الأولى التاريخية الطاهر زبيري المجاهد مساعدي محمد بمهمة إيصال رسالة إلى قيادة الأركان بتونس، إلى جانب رسالة أخرى للقائد هلايلي محمد الصغير، قائد الناحية الرابعة بكيمل. وبعد وصول المجموعة إلى كيمل، تقرر تأجيل الانطلاق يوماً واحداً، وإلحاق مجموعة من المجاهدين بالمهمة، ليصبح عدد أفرادها ثلاثة عشر مجاهدًا، كان الشهيد شبعاني التونسي على رأسهم.

وبحسب شهادة المجاهد مساعدي محمد، الناجي الوحيد من تلك المهمة، فقد انطلقت المجموعة ليلاً عبر الصحراء، وكانت تسير ليلاً وتختبئ نهارًا تحت الشجيرات تفاديًا لرصد قوات الاحتلال. وبعد أيام من المسير، وصلت إلى منطقة شط نفطة قرب الحدود الجزائرية التونسية، حيث قررت تأجيل عبور المنطقة المكشوفة إلى الليل، بعد أن حذّر الدليلان من خطورة المرور نهارًا.
غير أن آثار المجموعة كُشفت من طرف قوات المهاري المتعاونة مع الجيش الاستعماري الفرنسي، فاندلع اشتباك عنيف تمكن خلاله المجاهدون من إصابة عدد من أفراد العدو وإسقاط بعض جمالهم، قبل أن ينسحب المهاجمون لطلب الإسناد.

وسرعان ما وصلت ست مروحيات عسكرية أنزلت جنودًا حول مكان الاشتباك، أعقبتها طائرة استطلاع وقصف أطلقت قذائف ورشقات كثيفة على مواقع المجاهدين. وفي خضم تلك المواجهة غير المتكافئة، أصيب الشهيد شبعاني التونسي إصابة قاتلة، ليرتقي شهيدًا في ميدان الشرف يوم 14 فيفري 1962 بالقرب من الحدود التونسية.
وأسفرت المعركة عن استشهاد معظم أفراد المجموعة، فيما أُسر مجاهدان، أحدهما من عين الناقة والآخر كعايرية الزين من تبسة، بينما تمكن المجاهد مساعدي محمد من الانسحاب مستفيدًا من كثافة الدخان، ليكون الناجي الوحيد الذي نقل تفاصيل تلك الملحمة.
وباستشهاد شبعاني التونسي، أسدل الستار على مسيرة أحد رجال الرعيل الأول للثورة التحريرية، الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، وظلت تضحياتهم شاهدة على عظمة الكفاح الذي صنع استقلال الجزائر.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
