التقارير

من وهج الثورة إلى نبل المهنة.. المجاهدة بالة عائشة سيرة وطن

في كل الخامس من جويلية، تستحضر الجزائر ذكرى عيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، وتستعيد معها صور الرجال والنساء الذين صنعوا الحرية بدمائهم وتضحياتهم. وبين الأسماء التي لم تنل ما تستحقه من التعريف والتكريم، تبرز المجاهدة بالة عائشة، إحدى بطلات الأوراس اللواتي كتبن صفحات مشرقة من تاريخ الثورة التحريرية، قبل أن يخترن العيش بعيدًا عن الأضواء، ليظل صمتهن أبلغ من كل الكلمات.
وُلدت المجاهدة بالة عائشة سنة 1936 بدوار زلاطو بولاية باتنة، في منطقة عُرفت بروح المقاومة ورفضها للوجود الاستعماري. ومنذ سنوات شبابها الأولى، وجدت نفسها في قلب مشروع التحرر الوطني، بعدما رافقت زوجها الشهيد بن زلماط مسعود الثاني، أحد أوائل المناضلين الذين رفضوا الخضوع للقوانين الاستعمارية الفرنسية خلال أربعينيات القرن الماضي، وكان ضمن المجموعة التي آمنت بضرورة الانتقال من العمل السياسي إلى الكفاح المسلح، واضعة بذلك اللبنات الأولى للثورة الجزائرية.
ولم يكن دورها مقتصرًا على الدعم أو المساندة، بل حملت السلاح إلى جانب الرجال، وخاضت معهم مواجهات مباشرة ضد قوات الاحتلال الفرنسي. ومن أبرز المحطات التي سجلها تاريخها النضالي مشاركتها في معركة تاجموت أواخر سنة 1951، إلى جانب زوجها مسعود بن زلماط، والمجاهد الحسين برحايل، وشبشوب الصادق، وعايدة لوصيف، وأحمد ڨادة، حيث تمكن أفراد المجموعة من إلحاق الهزيمة بقوات الدرك الفرنسي، في معركة أكدت أن روح الثورة كانت مشتعلة في جبال الأوراس قبل سنوات من اندلاعها رسميًا.
وبعد استشهاد زوجها، لم تتراجع المجاهدة بالة عائشة عن طريق النضال، بل ازدادت إصرارًا على مواصلة المشوار. عاشت متخفية عن أعين الاستعمار الذي كان يلاحقها باستمرار، متنقلة بين المناطق، تؤدي المهام الموكلة إليها في سرية تامة، مؤمنة بأن تحرير الوطن يستحق كل تضحية.
وفي ليلة أول نوفمبر 1954، كانت من أوائل المناضلات اللواتي ساهمن في تفجير الثورة التحريرية بمنطقة الأوراس، مهد الثورة وقلبها النابض. وبعد ذلك التحقت بصفوف جيش التحرير الوطني، حيث عملت ممرضة، تسهر على إسعاف الجرحى ومداواة المجاهدين في ظروف بالغة الصعوبة، وسط نقص الوسائل وخطر المداهمات العسكرية، وظلت تؤدي هذا الواجب الإنساني والوطني حتى فجر الاستقلال.
ومع استرجاع الجزائر لسيادتها الوطنية سنة 1962، لم تتوقف عن خدمة وطنها، بل واصلت أداء رسالتها الإنسانية في القطاع الصحي، حيث اشتغلت ممرضة بمستشفى الأمراض الصدرية بباتنة إلى غاية تقاعدها، محافظة على تواضعها وصمتها، بعيدًا عن الأضواء والاحتفاء الإعلامي.
لقد جسدت المجاهدة بالة عائشة نموذج المرأة الجزائرية المناضلة التي لم تنتظر مقابلًا لتضحياتها، ولم تعتبر ما قدمته فضلًا، بل واجبًا تجاه وطنها. كما أنها، إلى جانب مجاهدات أخريات، من بينهن لوصيف فاطمة زوجة الشهيد، وزوجة الشهيد البطل الحسين برحايل، أثبتت أن المرأة الجزائرية كانت شريكًا حقيقيًا في الكفاح المسلح، تحمل السلاح، وتواجه الاحتلال، وتقدم الإسعافات، وتتحمل كل المخاطر دفاعًا عن حرية الجزائر.
وفي 19 جوان 2022، رحلت المجاهدة بالة عائشة إلى جوار ربها، بعد حياة مليئة بالتضحية والعطاء، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوا تاريخها، وفي سجل بطولات الأوراس التي صنعت فجر الحرية.
وفي عيد الاستقلال، تبقى سيرة المجاهدة بالة عائشة رسالة وفاء لكل جزائري، وتذكيرًا بأن الاستقلال لم يكن هبة، بل ثمرة تضحيات رجال ونساء آمنوا بالوطن حتى آخر لحظة من حياتهم. وإن أفضل وفاء لذكراهم هو الحفاظ على الجزائر، وصون وحدتها، ونقل تاريخهم الحقيقي إلى الأجيال القادمة حتى لا تُنسى تضحيات من صنعوا الحرية في صمت.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والرحمة للمجاهدة بالة عائشة ولكل من ساهم في تحرير الجزائر، وعاشت الجزائر حرة مستقلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى